السيد كمال الحيدري
346
أصول التفسير والتأويل
الله أثبت للراسخين في العلم فضيلة ووصفهم بالرسوخ ، فآذن بأنّ لهم مزيّة في فهم المتشابه ، لأنّ المحكم يستوى في علمه جميع من يفهم الكلام ، ففي أىّ شئ رسوخهم ؟ وحكى إمام الحرمين عن ابن عبّاس أنّه قال في هذه الآية : أنا ممّن يعلم تأويله . وقيل : الوقف على قوله : إلا الله وأنّ جملة والراسخون في العلم مستأنفة ، وهذا مروىّ عن جمهور السلف ، وهو قول ابن عمر ، وعائشة ، وابن مسعود ، وأُبىّ ، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية ، وقاله عمرو بن الزبير ، والكسائي ، والأخفش ، والفرّاء والحنفية . ويؤيّد الأوّل وصفهم بالرسوخ في العلم ، فإنّه دليل بيّن على أنّ الحكم الذي أثبت لهذا الفريق هو حكم من معنى العلم والفهم في المعضلات وهو تأويل المتشابه . على أنّ أصل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل ، فيكون الراسخون معطوفاً على اسم الجلالة فيدخلون في أنّهم يعلمون تأويله . ولو كان الراسخون مبتدأ ، وجملة يقولون آمنا به خبراً ، لكان حاصل هذا الخبر ممّا يستوى فيه سائر المسلمين الذين لا زيغ في قلوبهم ، فلا يكون لتخصيص الراسخين فائدة . قال ابن عطية : تسميتهم راسخين تقتضى أنّهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوى في علمه جميع من يفهم كلام العرب ، وفى أىّ شئ هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلّا ما يعلمه الجميع ، وما الرسوخ إلّا المعرفة بتصاريف الكلام بقريحة معدّة . وما ذكرناه وذكره ابن عطيّة لا يعدو أن يكون ترجيحاً لأحد التفسيرين ، وليس إبطالًا لمقابله إذ قد يوصف بالرسوخ من يفرّق بين ما يستقيم تأويله ، وما لا مطمع في تأويله » « 1 » .
--> ( 1 ) التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور ، مصدر سابق : ج 3 ص 24 .